كتبه د / محمد على يوسف "نقلا عن موقع المخلص"
عذرا خانني اللفظ أو لم يخنّى.. فكلما جاء ذكر الاختراع اللوذعي المسمى بالرئيس التوافقي كلما قفز إلى ذهني هذا النطق بدلا منه "التلافقى "من التلفيق، مع خالص الاعتذار لمجمع اللغة العربية لكن لعلهم يعذروني على ابتكار مبانٍ لغوية جديدة ما دمنا في زمن الابتكار.
لكن لنتجاوز مؤقتا ابتكاري اللفظي ولنرجع للابتكار الأصلي لنتأمله ونتفحصه ونحاول أن نفهمه.
التوافقي ..الحقيقة أنني توقفت طويلا أمام هذا اللفظ وحاولت أن أقلبه من كل الوجوه وأن أراعى التجرد حال تفحصي له، لعلى أقتنع به وأتوافق عليه مع من توافقوا، وللأمانة وجدته مصطلحا براقا يحمل جاذبية وأناقة، فالتوافق نظريا شيء مستحسن وأمر يتوق إليه المرء، تخيلوا معي أن يعيش الناس في وفاق ووئام وتبات ونبات، يا له من حلم وردى جميل إذا أغلقت عينيك وحاولت تخيله، لكنك لن تلبث أن تستيقظ منه مصدوما بصخرة الواقع التي يستحيل فيه وجود هذا التوافق المزعوم.
فالاختلاف أمر مقدور والله من أخبرنا بذلك (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) ووالله أنا شخصيا أتمنى وجود شخصية يجمع الناس عليها ولا يختلف عليها أحد، لكننا للأسف لا زلنا على كوكب الأرض وقد انتهى عصر الأنبياء سلام الله عليهم وتم بناؤهم بخاتمهم صلى الله عليه وسلم.
والناس أساسا لم يتوافقوا على أنبيائهم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، بل منهم من جحد بهم وكذبهم، بل وحاول قتلهم، ومنهم من نجح بالفعل وقتل منهم، وحتى حينما بعث الله لبعضهم ملكا وهو طالوت وأنزل معه آية ملكه كان رد أكثرهم: (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه).
بل الحقيقة أن الناس في الدنيا لم يتوافقوا على ربهم جل وعلا فمنهم من ألحد ومنهم من أشرك ومنهم من كفر وجحد وقليل منهم من آمن كما أخبر ربنا في أكثر من آية (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)، (وقليل من عبادي الشكور).
فكيف إذن يتصور عاقل أن يتوافقوا على رجل يقال له "الرئيس التوافقي"؟
سيرد متوافق حاذق ردا توافقيا بليغا ويقول: لا داعى لأن يتوافقوا جميعا لكن من الممكن أن يتوافق من بيدهم صنع القرار أو القوى المؤثرة على الرأي العام، ومن ثم يتوافق الأتباع ويعيش الكل في توافق ووئام.
فأرد ردا تنافسيا بسيطا وأقول ومن نصّب هؤلاء المتوافقين أوصياء على الشعب؟
ومن أعطاهم الحق في إنهاء التنافس الشريف الذى ارتضاه الناس بتوافقهم هذا؟
وما الآلية التي اختاروا من خلالها متوافقهم الخفي؟
ومن أدراهم أن تلك الآلية يقبلها البسطاء أمثالنا؟
البعض يظن أننا حينما نرفض فكرة المرشح التوافقي فإننا بذلك نريد الصراع أو النزاع ونحب الخلاف ونسعى إليه، وهذه تهمة في غير محلها، فببساطة لأن التوافق بالمعنى المطروح ليس مضادا للاختلاف، فالاختلاف كما بينت سنة كونية يستحيل زوالها، لكن التوافقية هنا مضادة لفكرة التنافسية وحق الاختيار، ولذلك أقترح بعد هذا الاختراع التوافقي المذهل إلغاء فكرة الانتخابات من أصولها واستبدالها بالمجالس الحبية التوافقية الودية الجميلة، التي يجلسها المتوافقون للتوفيق بين الشعب الذى لا يعرف مصلحته، وبين حاكمه القادم، وكما يقول هذا الشعب في أمثاله وحكمه "ويا بخت من وفق راسين في الحلال !"
فلنفكر في هذا الاقتراح جديا ولنوفر على أنفسنا وعلى خزينة بلادنا المنهكة تلكم التكاليف الباهظة التي تنفق على هذه العادة القديمة المسماة بالانتخابات التنافسية ولنوفر على المرشحين غير التوافقيين أموال الدعاية والمؤتمرات والمناظرات وعرض البرامج والرؤى، والتي لا داعى لها بعدما فشلوا فشلا ذريعا في الاختبار التوافقي التلافقي العظيم.
أما عن التوافقي العتيد الذى نجح بشكل يثير الدهشة في إقناع القوى المتناحرة منذ ما يزيد عن عام بمختلف أيديولوجيتها وتوجهاتها بعسكريها ومدنيها وبإسلاميها وعلمانيها وخارجها وداخلها ووطنييها وتغريبيها وثوريها وعباسيها أنه هو الذى يرضى طموحاتها جميعا وأنه هو وحده القادر على إيقاف خلافات تلك القوى فلا أدرى هل أهنئه أم أعزيه؟
فلا يمكنني أن أتصور أن هناك صاحب رأى وموقف يمكنه دوما إرضاء الناس جميعا، إن من لا يخالفه أحد قط هو في رأيي هو واحد من ثلاثة، إما أنه متلون مخادع يحاول إرضاء الكل حتى لو خالف بذلك قناعاته واعتقاداته، وإما أنه خائف أن يجهر برأيه مهزوم نفسيا أمام مخالفه لا يملك قلبا قويا يؤهله لأن يكون مسئولا عن خياراته، وإما أنه إمعة أو سطحي لا رأى له و لا موقف, سلبى يقبع عمره في منطقة رمادية أو منطقة لا لون لها.
أما صاحب الرأي والموقف والشخصية القوية فهو يعلم علم اليقين أن ارضاء الناس غاية لا تدرك، وهو يذكر دائما أن رأيه وموقفه -إن كان قد بذل وسعه ليصل إليه وإن كان يدين لله أنه الحق- أنه يقوله ليرضى الله به وليس الناس.
ولذلك أخشى ما أخشاه أن أي صنف من تلك الأصناف السالف ذكرها للمتوافق عليه لا يستحق أي تهنئة بهذا التوافق المكتسب بالمداهنة والتلون أو كتمان الحق أو حتى عدم معرفته واختياره، وفى كل صنف منهم كارثة تتربص بالوطن إن صُدر مثله،
فالمتلون المخادع لا يؤمن جانبه أبدا.
والضعيف الخانع الذى يخشى قول رأيه وتبيين موقفه لا يصلح أبدا لحكم دولة مثل مصر، دولة تكتظ فيها مراكز القوى وتنتشر بؤر الفساد في مؤسساتها التي لا تزال فلول النظام الساقط تحكمها وتطمع فيها وتتربص لنهشها، وتتداعى عليها قوى المشرق والمغرب.
والإمعة السطحي لا يستحق أن أعلق أصلا على إمكانية حكمه لمصر فالأمر واضح بالنسبة لمآل حكم السفهاء الذى يوسد الأمر إليهم إن لم يكونوا له أهلا.
أما أن يكون قويا وواضحا وصاحب رأي وموقف وفى نفس الوقت يرضى عنه الجميع، فصدقا والله لا يمكنني تصور وجود مثل هذا المخلوق في مصر، ولو نظريا،
فمن ذا الذى يتوافق عليه الإسلاميون والعلمانيون؟
من ذا الذى يتوافق عليه الليبراليون والمحافظون؟
من ذا الذى يتوافق عليه العسكريون والمدنيون؟
من ذا الذى يتوافق عليه الثوريون والعباسيون العكاشيون؟ (حزب آسفين يا ريس وآسفين يا مجلس).
أقول إنه إن وجد من له هذه الوجوه المتعددة التي يرضى بكل وجه منها فصيلا فلا أجد له وصفا إلا ما وصفه به حبيبي صلى الله عليه وسلم: "إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" [متفق عليه].
لذلك قد أغيّر البناء اللفظي الأول الذى عنونت به للمقال فأبدل اللام بنون ليصبح الرئيس التنافقي (مع الاعتذار مرة أخرى لمجمع اللغة الذى سيضيق بي ذرعا)، فإن لم يكن ذلك نفاقا ومداهنة وتلونا فم تعريف تلك الأشياء عند إخواني التوافقيين؟ أسأل فقط للتعلم.
وإن كان هذا الإرضاء للجميع هو فعلا ما يراه هذا التلافقي وهو ما يعتقده ويؤمن به حقا، فلم إذن يتردد في صدري كلما تخيلت أن هذا يكون منهجا لشخص قول ربى جل وعلا (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)؟
يحضرني في هذا المقام نموذجا عجيبا ضربه أحد معارفي ممن لهم علاقة وثيقة بالأفراح الشعبية وعادات أهلها، قال "دول عايزين رئيس نوبتشى "نموذج "نوبتجي الأفراح"، أو كما ينطقونها "نوبتشى الأفراح" وهو ما يعرف أيضا عند الناس بكداب الزفة.
وعندما استغربت اللفظ وسألت عنه علمت أن المقصود به الرجل الذى يقف في الأفراح ليحيا العروسين ويجامل الحضور الذين يلقون إليه "بالنقوط "
هو رجل مهنته المجاملة وحرفته جعل الناس ينتشون بثنائه ويفخرون بمجاملاته التي تكون غالبا على قدر النقوط التي دفعوها.
وهو يتفنن في إقناع الجميع طوال الفرح أنهم هم الأفضل و"الأجدع" وينتقى من الألفاظ ما يسرهم بذلك، فهذا "سيد المعلمين" وهذا "عم الشباب" وذاك "أجدع واحد في الحتة" وهذا "كبير المنطقة" و"وأبو الشهامة" و"عم الجدعنة "
وهكذا يستمر في ألفاظ المديح والإطراء حتى ينتهى الفرح وقد أرضى الجميع وجاملهم رغم أنهم يعلمون جيدا أن أكثر من ثلاثة أرباع كلامه غير حقيقي وأنه لا يعنى من جله حرفا وأن غرضه الأساسي هو إرضاؤهم.
فهل مثل هذا النموذج هو ما يريده إخواننا المتوافقين؟ هل تستحق منا مصرنا رئيسا "نوبتجيا" أو "كداب زفة"؟ أم رئيسا تلافقيا؟ أم رئيسا تنافقيا؟
إن كل عاقل يدرك أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، ولذا كان العهد في أي عملية انتخابية طبيعية أن يكون هناك رابحون وخاسرون، وأن الخاسر يقف حينئذ في موقف المعارضة والفائز يكون هو صاحب السلطة، لكن ألا يكون هناك فائز ولا خاسر ويخرج الجميع متوافقين؟ هذه جديدة علي!
ولا يضربن أحدكم مثالا بتونس أرجوكم، فالمرزوقي مختلف تماما سواء من حيث آلية الاختيار أو التوصيف الوظيفي، فهو من حيث التوصيف رئيس مؤقت لحين كتابة الدستور الجديد، فهل رئيس مصر القادم مؤقت أم سيتم دورته التي هي الأهم والأخطر في تاريخ مصر الحديث؟
والمرزوقي لم يأت بانتخاب شعبي، وإنما من خلال المجلس المنتخب، وهى آلية مختلفة تماما عن الموجودة في مصر، وقد تقبل عندهم بسبب التوصيف الذى ذكرته من أن الرئيس مؤقت فمررها الشعب، أما في مصر فقد يصلح هذا الكلام من البداية بخارطة طريق مختلفة وشبيهة بخارطة تونس، من دون ذلك فالتشبيه الآن يعود بنا إلى الاقتراح الذى ذكرته في أول المقال مازحا حول الاكتفاء بالمجالس الحبية لاختيار الرئيس ولنوفر مصاريف الانتخابات الصورية التوافقية القادمة وحتى مع ذلك هل ظل المرزوقي توافقيا؟
إن ما نراه ونسمعه يشى بتغير تدريجي في النبرة التوافقية التي يبدو أنها تخفت بمرور الوقت، وكلما ازداد الارتياح على الكرسي.
المرزوقي وهو لم يتمكن بعد تمكنا كاملا يعلن تدخله في الدستور رغم أنه ليس من حقه، ويصرح بأنه لن يقبل بمادة عن الشريعة الإسلامية وقبلها يتهم الدعاة إلى الله أنهم جراثيم لن يسمح بنموهم في تونس، والله الأعلم بما سنسمع منه بعد ذلك.
ولقد تكررت في التاريخ مثل هذه المواقف، ولا داعى لأن أكرر ما كفاني إخواني الكتاب في الأيام السابقة، مؤنته من ذكر لتفاصيل انقلاب التوافقي عز الدين أيبك والتوافقي محمد على باشا على من توافقوا عليه خلعه لشيخ الأزهر وتشريده للسيد عمر مكرم وكذلك انقلاب التوافقي جمال عبد الناصر -وهو بالمناسبة له صورة توافقية شهيرة بينما هو يخطب وخلفه راية عليها سيفان ومصحف وبينهما قول الله (وأعدوا)، وغيرهم من التوافقيين الذين تحولوا إلى انقلابيين بعد ذلك.
التوافق المطلوب في رأيي هو توافق كل القوى على مبدأ احترام التنافسية ونتائجها ما دامت القوى قبلت خوضها.
التوافق في رأيي هو توافق كل القوى من الآن على أن الفائز والخاسر يتعاونان بعد النتيجة للنهوض بالوطن، كل في مجاله، فالأول من خلال آليات سلطاته والثاني من خلال مراقبته ونصحه ومحاسبته من موقع المعارضة المحترمة وليست المخوِّنة والمجرٍّحة.
لكن حياة سياسية خاوية من المعارضة والكل فيها في وفاق؟
أظن أن ذلك مما يمكن تحقيقه، لكن فقط في يوتوبيا التي ما غادرت يوما خيال الفلاسفة، ومرحبا بكم أيها التوافقيون على كوكب الأرض.
بقلم : دكتور محمد على يوسف

0 comments:

الأكثر مشاهدة